صديق الحسيني القنوجي البخاري
40
فتح البيان في مقاصد القرآن
الملائكة من بين يديها ومن خلفها . أخرجه البغوي والماوردي معا في معرفة الصحابة والطبراني في الأوسط وأبو النعيم في الدلائل . اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إفراد لمعظم أفراد المعونة المسؤولة بالذكر ، وتعيين لما هو الأهم أو بيان لها أي أرشدنا وقيل ثبتنا على المنهاج الواضح ، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال ، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية والثبات عليه ، لأن الألطاف والهدايات من اللّه تعالى لا تتناهى ، قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] الآية وقال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] والهداية هي الإرشاد والتوفيق والتبيين أو الإلهام أو الدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية . ثم هي قد يتعدى فعلها بنفسه كما هنا وكقوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] وقد يتعدى بإلى قوله : اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النحل : 121 ] وقوله : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] - وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] وقد يتعدى باللام كقوله : هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] وقوله : يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] وقال الزمخشري أصله أن يتعدى باللام أو بإلى ، انتهى . وفرق كثير من المتأخرين بين المتعدي بنفسه وغير المتعدي ، فقالوا معنى الأول الإيصال ومعنى الثاني الدلالة ، والصراط بالصاد الخالصة لغة قريش ، وهي الجادة ، والسين قراءة ابن كثير في كل القرآن ، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل ، فالتذكير لغة تميم ، والتأنيث لغة الحجاز ، وجمعه صرط ، وقد تشم الصاد صوت الزاي تحريا للقرب من المبدل منه ، وقد قرىء بهن جميعا وفصحاهن الصاد ، وهي الثابتة في الإمام أي في مصحف عثمان رضي اللّه عنه كتابة وخطا المسمى إماما عند القراء والمفسرين وغيرهم ، فإن الإمام لغة ما يؤتم ويقتدى به فيتبع وإن لم يكن من العقلاء ، ولهذا أطلق على اللوح والكتاب كما قال تعالى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً [ هود : 17 ] فسمي الكتاب إماما على وجه . وقد كان سنة ثلاثين لما سار حذيفة رضي اللّه عنه لبعض الغزوات وعاد قال لعثمان رضي اللّه تعالى عنه إني رأيت أمرا عجيبا رأيت الناس يقول بعضهم لبعض قراءتي خير من قراءتك ، فإن تركوا ليختلفوا في القرآن فيكون لذلك أمر ، فجمع عثمان الصحابة رضي اللّه عنهم واستشارهم فأشاروا عليه بجمعهم على مصحف واحد فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها لترسل الصحف لتنسخ ، وكان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه جمعها لما كثر قتل الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم باليمامة وهو الجمع الأول ، فأرسلتها إليه فأمر عثمان رضي اللّه تعالى عنه زيد بن ثابت وابن